لا هم دمعي من طول البكا نفدا لـ خليل مردم بك

لا هُمَّ دمعيَ منْ طولِ البكا نَفِدا
فهبْ لعينيَّ ما أبكي به الشهدا

وَما الدموعُ وإنْ جادتْ بمنجدةٍ
فاجعلْ لها من دمي أو مهجتي مددا

لؤمٌ بمنْ لا يريق الدمعَ تكرمةً
لمن أريقتْ دِماهم للبلادِ فدا

في مثلِ ذا اليومِ في هذا المكانِ عَلَى
هذي الجذوعِ عَلَتْ أرواحُهم صعدا

طارتْ إلى الملإِ الأعلى لتدرك ما
قدفاتها نيلُه إذْ تسكنُ الجسدا

لصوتِها في حفافِ العرشِ هينمةٌ
هل تسمعون؟ ففي أُذنيَّ منه صدى

"صدى دعاءٍ عريضٍ؛ ذي حكايتُه: "
العرب، والعرب، واستقلالهم، أبدا

وَهل ندافعُ عن حقٍ هريقَ له
سيلٌ من الدمِ حتى الآن ما ركدا

دمٌ بذلناه في تحريرِ أُمَّتِنا
لا يذهبُ الدمُ في شرعِ الإلهِ سدى

هلْ تذكرون؟ ومَا بالعهدِ من قدمِ
يومًا أراكم ضُحاه طالعًا نكدا

يومًا تجددُ ذكراه أسىً وَجوىً
وَتقرحُ القلبَ والعينين والكبدا

عَلى الوجوهِ علاماتُ الأَسى ارتسمتْ
وَفي القلوبِ سعيرُ البثِّ قَدْ وَقدا

ترى الكآبةَ ممدودًا سرادفُها
وَغيمُها بسماء (الشام) متعقدا

في (الغوطتين) إذا ما نسمةٌ خطرتْ
أنَّتْ كما أنَّ محزونٌ إذا جُهدا

كأنما الدَوْحُ إنْ مال النسيمُ به
ثواكلُ نَشَرَتْ أشعارَها كمدا

كأنما الطلُّ والأوراقُ ترسله
دمعٌ تَحدَّرَ من آماقِها بددا

ناحتْ عَلَى (بردى) الأطيارُ فانفجرتْ
بعد النضوبِ عيونُ الدمع من (بردى)

كأنَّ تهدارَه في كل منحدرٍ
نشيجُ باكٍ يعاني الهمَّ محتشدا

فلو تراهم عَلى الأعوادِ ماثلةً
أجسامُهم لفقدت الصبرَ والجلدا

تواجه الشمسُ منهمْ أوجهًا نضرتْ
كالماسِ في الشمسِ لألآءً إذا اتقدا

كأنَّ إطراقَهم في طولِ صمتِهمُ
كمن يراجعُ معنىً رائعًا شردا

كأنَّ إغضاءهم إغضاء ذي كرمٍ
عن الإِساءةِ خلقًا طاهرًا وَهدى

ومشرئبين بالأعناق تحسبهم
وِرْدًا من الهيمِ نحو الماءِ قد وردا

تهفو رقابُهمُ نحو السماءِ كمنْ
له بها حاجة إدراكها بعدا

إنْ كنت تعجب فاعجبْ لابنِ آدم ما
أشدَّ بغيًا وَظلمًا منذ ما وجدا

بنيةُ اللهِ قد مدتْ لها يده
بالهدمِ شلّتْ وتبّتْ ما أعقّ يدا

وقاتلُ النفسِ لو صحّتْ عدالتُه
كمن يداوي بفقءِ المقلةِ الرمدا

وليس يملكُ فكَّ الروحِ عن جسدٍ
إلاّ الذي هو ضمَّ الروحَ والجسدا

هَبِ القتيل مسيئًا بالقصاصُ له
فما جزاءُ الذي قتلًا عليه عدا؟

إن كان من جنسِه فالقتل يلزمُ مَنْ
فوق البسيطة لا يبقي إذنْ أحدا

أقسمتُ باللهِ لَلْمصلوبُ في شرفٍ
أمسى عَلَى الجذعِ مثل الشلْوِ منفردا

أجلّ في النفسِ مِنْ ملكٍ تحفُّ به
جلالةُ الملكِ انْ فوق السرير يدا

ضمّته أعوادُه من حيث نِيطَ بها
كما تضمُّ حنايا أضلعٍ خَلَدا

حَنَتْ عليه وأَمرُ الليلِ مجتمعٌ
كالأُمِّ تَرْأَمُ في جوفِ الدجى ولدا

صحيفةُ الحكمِ في صدرِ الشهيدِ غدتْ
وِسامَ فخرٍ له بالمجد قد شهدا

واللهِ ما الليلة السوداء حين مَشَوْا
يشاهدون مناياهمْ بها صددا

أشدّ هولًا عليهم من تفرقِنا
وانَّ طول سَرانا بعدُ ما حُمدا

يسوءُهم أَننا عند (القضيةِ) ما
زلنا طرائقَ في آرائنا قددا

يعيثُ فينا فسادًا كلُّ ذي دخلٍ
عَلَى النَّفاقِ وقول الزورِ قد مردا

تقطَّعتْ كلُّ أسبابِ الرجاءِ بنا
هَيِّيءْ لنا ربَّنا من أمرِنا رشدا

أستغفرُ اللهَ من يأسٍ يخالجني
فليس ييأس إلاَّ كافرٌ جحدا

بقية السيفِ مهما قلَّ ناصرُها
خيرٌ وأبقى وأنمى بعد ذا عددا

واللهُ أرأفُ من أن لا يقيم لنا
"وَزنًا؛ ويتركنا بين الورى عُبُدا"

إرسال تعليق

0 تعليقات